أحمد بن علي القلقشندي
425
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الجملة الحادية عشرة في ترتيب أمور السلطان بهذه المملكة على ما كان الأمر عليه حكى في « مسالك الأبصار » عن نظام الدين بن الحكيم الطياريّ أن أهل هذه المملكة من التتر كانوا قد داخلوا العجم وزوّجوهم وتزوّجوا منهم ، وخلطوهم بالنفوس في الأمور ، فتفخمت قواعدهم ، وجرت على عوائد الخلفاء والملوك في غالب الأمور قوانينهم . ثم للسلطان بهذه المملكة مشتى ومصيف : فأما مشتاه فبأوجان بظاهر تبريز ، وهو مكان متسع ذو مروج ومياه على ما تقدّم ذكره ، وبه قصور لأكابر الأمراء والخواتين . أما عامة الأمراء والخواتين ، فإنهم يتخذون زروبا ( 1 ) من القصب كالحظائر يتزرّبون بها ، وينصبون معها الخركاوات ( 2 ) والخيام ، فتصير مدينة متسعة الجوانب ، فسيحة الأرجاء ، حتّى إذا خرجوا لمصيفهم راحلين عنها ، أحرقوا تلك الحظائر لكثرة ما يتولد فيما بقي منها من الأفاعي والحيات ، ولا يبالون بما يغرم عليها من كثير الأموال . وأما مصيفه فمكان يعرف بقراباغ ، ومعناه البستان الأسود ، وفيه قرى . ممتدّة ، وهو صحيح الهواء ، طيب الماء ، كثير المرعى ، وإذا نزل به الأردو ( 3 ) ، وهو وطاق ( 4 ) السلطان وأخذت الأمراء والخواتين منازلهم ، نصب هناك مساجد جامعة ، وأسواق منوّعة ، يوجد بها من كل ما في أمهات المدن الكبار حتّى يكون
--> ( 1 ) مفردها : زرب . وهي الحظيرة أو شابهها . ( وسيط : 391 ) . ( 2 ) كالبيت ؛ تصنع من الخشب . مفردها : خركاه - ( راجع حاشية الصفحة : 50 من هذا الجزء ) . ( 3 ) لفظ مغولي معناه العسكر . وقد استعمل في المراجع العربية والفارسية في هذا العصر للدلالة على معسكر ايلخان الدولة المغولية بفارس . ( مصطلحات الصبح : 26 ) . ( 4 ) في التركية : أوتاق وأوتاغ وأوطاق . وقد دخلت في اللغة الفارسية في صيغة أطاق وأتاق . والأرجح أن تكون هذه الكلمة هي أصل الكلمة التركية المصرية ( أوده ) بمعنى حجرة ، وفي بعض بلاد الشام يقال : ( أوضه ) . والأطاق في التركية اسم للخيمة الكبيرة المزخرفة تعد للعظماء . والوطاق في العربية هو الخيمة والمعسكر المكون من خيام . ( تأصيل الدخيل : 198 ) .